إخوان الصفاء
65
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فإذا فكّر العاقل اللبيب في حال النفوس المتجسّدة وما يلحقها من المحن والمصائب بتوسط هذه الأجساد ، وما يعرض لها من الآلام والأوجاع والمناحس كما بيّنّا قبل ، وتفكر أيضا في حالات النفوس التي هي أهل الجنة وعالم الأفلاك الذين هم سكان السماوات ، إذا سمع بأنهم أحياء لا يموتون ، وشبان لا يهرمون ، وأغنياء لا يفتقرون ، وجيران لا يتحاسدون ، وإخوان على سرر ، متقابلين متنعمين متلذذين ، خالدون فيها ، آمنون لا يخافون ولا يحزنون ، فهم في روح وريحان ورضوان ، رغبت نفسه إلى ما هناك ، وزهدت في الكون هاهنا . فكلما نظر بعين رأسه إلى جسده في عالم الكون والفساد معذّبا من أبناء جنسه ، استعاذ بالله وسأله الخلاص والنجاة مما هو فيه من مشاركة أبناء الدنيا ؛ وكلما نظر بعين عقله إلى نفسه وأبناء جنسه في عالم الأفلاك ، وما هم فيه من الرّوح والريحان ، تمنى الوصول إلى هناك ، وسأل ربّه اللحاق بهم ، كما سأل يوسف الصّدّيق ، عليه السلام ، وكذلك إبراهيم ، عليه السلام ، وعند ذلك تصير الدنيا عليه سجنا كما قال ، عليه الصلاة والسلام : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر . » ويكون عند ذلك من أصحاب الأعراف الذين هم أهل المعارف ، كما وصفهم اللّه تعالى : « وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ . » وإذا صرفت أبصارهم تلقاء « أَصْحابُ النَّارِ » يعني أهل الدنيا التي في عالم الكون والفساد : « قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . وهؤلاء الرجال الذين على الأعراف هم الذين مدحهم اللّه تعالى بقوله : « رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ » وقال : « تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ » فهؤلاء هم أولياء اللّه الذين هم يتمنون الموت لما قد تبين لهم ما بعد الموت من الوجود المحض والبقاء الدائم والرّوح والرّيحان والنجاة من الآلام والأوجاع والأسقام التي كلها جهنم ونيران .